عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

229

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

ويصف أبو العتاهية مائدة مخارق أحد المغنين وما وضع عليها من أطايب الطعام والشراب . فيقول : « دعيت إلى بيت مخارق فجئته ، فأدخلني بيتا نظيفا فيه فرش نظيف ، ثم دعا بمائدة عليها خبز سميد ، وخل وبقل وملح وجدي مشوي ، فأكلنا منه ، ثم دعا بسمك مشوي فأصبنا منه حتى اكتفينا . ثم دعا بحلواء فأصبنا منها وغسلنا أيدينا . وجاؤونا بفاكهة وريحان ، وألوان من الأنبذة فقال : اختر ما يصلح لك منها . فاخترت وشربت » . وكان ذلك قبل أن يتزهد « 1 » . وكانت هذه الموائد الفاخرة يعدها أناس مختصون ، يتقاسمون العمل في اعداد كل صنف ولون من الأطعمة . فكان في بيوت الكبراء شرابي يعنى بالشراب وآلته وبالفاكهة والروائح « 2 » . وكان بجانبه الشواء والطباخ والخباز وهو الذي يصنع الحلوى ، وكانت تقدم على هذه الموائد ألوان لا حصر لها من الأطعمة اللذيذة المختلفة كالسكباج وهو لحم يطبخ بخل ويضاف اليه شيء من الزعفران لتطيب رائحته ، والمضيرة وهي لحم ممزوج ببعض التوابل ، والشبارقات وهي شرائح مشوية من اللحم ، والطباهج وهو طعام من لحم وبيض وبصل ، والهريسة وهي لحم وماء وسميذ ، وقد يقدم الطباخ على المائدة ألوانا طريفة وربما أتى بالطعام الغريب « والعادة في مثل ذلك اللون أن يكون لطيف الشخص ، صغير الحجم وليس كالطفشيلية ، ولا كالهريسة ، ولا كالفجلية ولا كالكربنية ، وربما عجّل عليه ، فقدمه حارا ممتنعا وربما كان من جوهر بطيء الفتور « 3 » » . هذا إلى جانب السمكة الكبيرة والجدي العظيم والرؤوس المتعددة وكان صانع الحلوى يقدم على هذه الموائد أصنافا مختلفة من الفطائر والرقاق ومنها اللوزينج وكان يتخذ من اللوز والدقيق والفستق ويرش بماء الورد ، ومنها الفالوذج وهو حلوى من النشا وعسل النحل والسمن . والخشكنان وهو كعك يحشى بالجوز والسكر ثم يقدم الشرابي ما صنعه من الأشربة ومنها الجلاب ممزوج بماء الورد ، وكانت تقدم إلى جانب الأصناف الرئيسة المشهيات كالمخللات والتوابل ويسمونها النقل وكانت تتألف - كما في عصرنا - من أشياء حرّيفه .

--> ( 1 ) أغاني : ج 3 - ص 180 . ( 2 ) كتاب الوزراء : ص 240 . ( 3 ) البخلاء للجاحظ : ص 73 .